
إذا كنت تعمل في مجال المشتريات، فمن المحتمل أنك تعرف الموقف التالي. أنت جالس في اجتماع تفاوضي، والمورد يضع عرضًا على الطاولة ويقول بصوت واثق: "هذا أفضل سعر يمكننا تقديمه." بعد بضع دقائق، ينتشر في الغرفة الشعور المألوف بعدم اليقين. هل هذا السعر عادل حقًا؟ هل يتماشى مع السوق؟ وكيف يمكن تقييم ذلك بشكل موضوعي؟
تقارن العديد من الشركات العروض باستخدام جداول غير كاملة أو قيم تاريخية بحتة. لكن في سوق عالمي ومتقلب، لم يعد ذلك كافياً. إن المقارنة الصحيحة لأسعار الموردين تعني فهم هيكل الأسعار ووضعها في سياق أحداث السوق. وهنا بالضبط يبدأ الفرق بين المقارنة البسيطة وعملية التقييم الموضوعية.
في هذه المقالة، سأوضح لكم لماذا لا يمكن مقارنة أسعار الموردين في كثير من الأحيان، ولماذا تلعب أسعار السوق دورًا حاسمًا، وكيف يمكنكم الحصول على صورة أوضح بكثير من خلال بيانات أفضل. في الوقت نفسه، أود أن أوضح لكم مدى الإمكانات الاستراتيجية الكامنة في مقارنة الأسعار الحديثة، عندما لا يتم بشكل حدسي، بل بشكل احترافي ومستند إلى الحقائق.
عندما يبدو أن موردين اثنين يقدمان نفس المنتج، سرعان ما يتولد انطباع بأن عليك فقط اختيار السعر الأرخص. لكن هذه المقارنة خادعة للوهلة الأولى. عند النظر عن كثب، يتضح أن نفس المواد وتكاليف الموظفين والمواصفات يمكن أن يكون لها هياكل أسعار مختلفة تمامًا.
يحسب أحد الموردين التكاليف بشكل متحفظ، بينما يحسبها آخر بشكل جريء. أحدهما يحمي نفسه من التقلبات، بينما لا يفعل الآخر ذلك. يسترشد البعض بالسوق الفورية الحالية، بينما يسترشد آخرون ببيانات العقود طويلة الأجل. يستفيد البعض من الخصومات على أسعار المواد الخام، بينما يمرر آخرون الزيادات في الأسعار على الفور.
إذا بقيت هذه العوامل غير مرئية، فإن المقارنة تبدو صحيحة، ولكنها في الواقع تستند إلى افتراضات. وبالتالي ، لا يعمل قسم المشتريات على أساس الأسعار الحقيقية، بل على أساس الشعور. لا تبدأ المقارنة الموضوعية إلا عندما يُنظر إلى كلا السعرين في علاقتها بالسوق.
هذا هو الجزء الأهم والأكثر تعقيدًا في عملية مقارنة الأسعار بأكملها. تقوم العديد من أقسام المشتريات بتقييم العروض دون معرفة كيفية تطور السعر مقارنة بالسوق. وهذا بالضبط ما يؤدي إلى تقييمات خاطئة ومواقف تفاوضية ضعيفة.
يعكسسعر العرض الوضع الفردي للمورد. وهو يتألف من تكاليف الإنتاج وتكاليف المواد الخام وتكاليف اللوجستيات والهوامش ورسوم المخاطر والقرارات الاستراتيجية. تختلف هذه العناصر من شركة إلى أخرى وتؤدي إلى اختلافات لا يمكن تفسيرها بالمواد وحدها.
أما سعر السوق فهو السعر الموضوعي الذي يتم تداول المواد الخام أو المواد به. وهو يعكس تقييم الصناعة لتكاليف الإنتاج الفعلية. ويتغير هذا السعر حسب الطلب وأسعار الطاقة والقرارات السياسية ونقص العرض أو التطورات التقنية. وهو سعر ديناميكي ويتبع منطقًا واضحًا.
إذا نظرنا إلى سعر العرض فقط، فإننا نرى جزءًا صغيرًا من هذه الحقيقة. فقط المقارنة بين السعرين توفر المعلومات الحاسمة وتوضح الصورة الكاملة وتساعد على فهم العمل وليس فقط الأرقام السوداء.
تخيل أن أحد الموردين يطلب سعرًا لكريات بلاستيكية أعلى بنسبة 10% من السعر الذي كنت تدفعه حتى الآن. سيكون رد فعلك الأول هو اعتبار هذا السعر باهظًا. ولكن إذا كنت تعلم أن سوق البوليمرات الدولية قد ارتفع بنسبة 20% في الأسابيع الماضية، فستدرك على الفور أن العرض في الواقع ميسور. لم ينقل المورد تطورات السوق بالكامل. في الحالة العكسية، يظل السعر ثابتًا على الورق، على الرغم من انخفاض السوق. يبدو العرض جيدًا، ولكن في الواقع، قام المورد بزيادة هامشه دون أن يعلن ذلك بوضوح.
إذا كنت تستخدم استراتيجيات مثل تتبع أسعار السوق أو تحليل أسعار المواد الخام أو مقارنة الموردين، فستظهر صورة جديدة تمامًا. فأنت لا تفهم السعر فحسب، بل تفهم أيضًا الديناميكية الكامنة وراءه. سعر العرض ليس سعر السوق أبدًا. ومن يخلط بين هاتين القيمتين يفقد المقارنة الموضوعية وبالتالي الأساس الذي يستند إليه اتخاذ أي قرار مدروس.
بمجرد معرفة أسعار السوق، تتغير عملية مقارنة الأسعار بالكامل. يمكنك أن ترى على الفور ما إذا كان الاختلاف قائمًا على التكاليف الحقيقية أو على حسابات فردية. يمكنك معرفة ما إذا كان المورد يحسب الأسعار بشكل عادل أم أن استراتيجيته السعرية لم تعد تتناسب مع وضعك في السوق.
تُظهر المصطلحات الإنجليزية المتخصصة مثل "price benchmarking" و"market aligned pricing" و"commodity based costing" الاتجاه الذي تسير فيه أقسام المشتريات الحديثة. فهي تبتعد عن مجال التقييم الذاتي وتعمل بمؤشرات حقيقية.
تخيل أنك تقارن بين موردين لقطعة معدنية. كلاهما يقدمان جودة مماثلة. أحدهما أغلى بشكل ملحوظ. بدون مرجع، يبدو هذا المورد غير جذاب. مع تحليل أسعار المواد الخام ، سترى على الفور أن السعر الأرخص جاء فقط بسبب تكاليف المواد القديمة. السعر الأغلى هو أكثر دقة وواقعية واستدامة. بهذه المعرفة، ستغير طريقة تفاوضك. لن تتحدث بعد الآن عن الأرقام، بل عن الحقائق. لن تتفاوض بشكل أعمى، بل بشكل استراتيجي.
تتبع مقارنة الأسعار الحديثة هيكلًا واضحًا. أولاً، يتم جمع أسعار العروض الصرفة. بعد ذلك، يتم مقارنتها بأسعار السوق التي تستند إلى مؤشرات المواد الخام وأسعار الطاقة والاتجاهات العالمية. ثم يتم تحليل الفرق. وأخيرًا، يتم تقييم استراتيجية الأسعار التي تناسب الوضع الخاص.
تستخدم العديد من الشركات أدوات احترافية لهذا الغرض، ولكن حتى بدون برامج معقدة، فإن هذه الطريقة تشكل أساسًا لعملية موضوعية. من المهم ألا يتم استبعاد السوق. بمجرد أخذ تطورات الأسعار الخارجية في الاعتبار، تفقد الانطباعات الذاتية أهميتها وتكتسب الأرقام الحقيقية أهمية أكبر.
على الرغم من أن هذا المقال لا يركز على الإعلانات، إلا أنه من المفيد الإشارة إلى هذا الأمر هنا. يمكن لش ركات مثل مزود الخدمات الشاملة costdata® تولي هذه التحليلات بالكامل. فهي تجمع بين قواعد بيانات أسعار المواد الخام والحسابات والمعايير المرجعية لتقديم تقييم واضح.
مع هذا الدعم، لن تحصل على جدول بسيط فحسب، بل ستحصل على تقييم احترافي لأسعار السوق وأسعار العروض والفروقات. وهذا يسهل المناقشات الداخلية ويعزز مكانتك في المفاوضات.
عند تقييم أسعار الموردين، لا يجب أن تعتمد فقط على سعر العرض. فالمقارنة مع السوق هي التي تظهر السعر الحقيقي. المقارنة الموضوعية للأسعار تحمي من اتخاذ قرارات خاطئة وتحسن أي مفاوضات.
الفرق بين سعر العرض وسعر السوق هو العامل الحاسم. من يفهمه يتخذ قرارات أفضل، ويدرك المخاطر الخفية ويستفيد من قوة الشفافية الحديثة في السوق. وبذلك يتم الحصول على مقارنة أسعار واضحة ومدعومة واستراتيجية.
